من الفصل إلى المدرج، سلسلة من ثلاثة أجزاء، الجزء الثاني

ثلاث طرق بعد الإعدادية

الثانوي العام يتجاوز التعليم الفني للمرة الأولى، والفتيات يسبقن إليه، والأزهر يستعيد تلاميذه بمعلمين أقل

شهد العام الدراسي ٢٠٢٣/٢٠٢٤ تحولاً استثنائياً؛ ففي سابقة هي الأولى من نوعها ضمن سلسلة الإحصاءات الممتدة منذ ٢٠٠٩/٢٠١٠، تفوقت أعداد طلاب الثانوي العام على نظرائهم في التعليم الفني. وقد تصدرت الفتيات مشهد هذا التحول الهيكلي؛ ففي العام ٢٠٢٤/٢٠٢٥، شقت ٥١٫٦٪ من تلميذات المرحلة الإعدادية طريقهن نحو الثانوي العام، في مقابل ٤١٫٦٪ فقط من البنين. وعلى مسار موازٍ، سجلت المعاهد الأزهرية ارتدادة قوية، محققة قفزة في أعداد تلاميذها بنسبة ٧٧٪ منذ العام ٢٠١٨/٢٠١٩، في مفارقة تزامنت مع نزيف مستمر في أعداد معلميها عاماً تلو الآخر.[١]

عند إسدال الستار على المرحلة الإعدادية، يجد التلميذ المصري نفسه أمام مفترق طرق حاسم، ترسم ملامحه محصلة الدرجات، والتوزيع الجغرافي، والقدرة المالية للأسرة. تتفرع هذه السبل إلى ثلاثة مسارات رئيسية: ثانوي عام يمثل البوابة التقليدية للمرحلة الجامعية، أو تعليم فني تتوزع تخصصاته بين الصناعي والتجاري والزراعي والفندقي، أو استكمال الرحلة في أروقة التعليم الأزهري لمن التحق به منذ نعومة أظافره. ويوثق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في نشراته السنوية حجم التدفق الطلابي في كل مسار من هذه المسارات.[١]

على مدار العقد الماضي، أعيد تشكيل الأوزان النسبية لهذه الطرق الثلاثة. تتتبع هذه الحلقة التحولات العميقة في كل مسار: من يطرقه، ومن يقف خلف منصة التدريس لتوجيهه.

الثانوي العام والفني

التقاطع

في العام الدراسي ٢٠١٠/٢٠١١، احتضنت فصول الثانوي العام نحو ١٫٢٣ مليون طالب، ليتضاعف هذا الرقم مسجلاً ٢٫٤٤ مليون طالب بحلول العام ٢٠٢٤/٢٠٢٥، محققاً نمواً بلغ نحو ٢٫٠ ضعف. في المقابل، بلغت المدارس الفنية بقطاعاتها الأربعة نقطة ذروتها في ٢٠٢٢/٢٠٢٣ مسجلة ٢٫٢٥ مليون طالب، قبل أن تتراجع أعدادها لتستقر عند ٢٫١٠ مليون. وفي نقطة فارقة خلال العام ٢٠٢٣/٢٠٢٤، تقاطع الخطان البيانيان ليعلن الثانوي العام تفوقه العددي للمرة الأولى.[١]

الثانوي العام يتجاوز الفني

عدد الطلاب بالمليون. الفني مجموع الصناعي والتجاري والزراعي والفندقي. انخفاض الثانوي العام في ٢٠٠٩/٢٠١٠ أثر الدفعة الغائبة التي يشرحها الجزء الأول.

الثانوي العامالثانوي الفني

تنقّل على السنوات لقراءة الأعداد.

المصدر: الجدول ١ في نشرات التعليم قبل الجامعي ٢٠١٤ إلى ٢٠٢٥. مدارس وزارة التربية والتعليم، دون الأزهر.
الأرقام في جدول
العام الدراسيالثانوي العامالثانوي الفني
٢٠٠٩/٢٠١٠٨٦٢١٤٧١٢٦٠٧٩٣
٢٠١٠/٢٠١١١٢٣١٧٣٥١٦٠٧١٢٥
٢٠١١/٢٠١٢١٣٢٤٤٤٠١٦٢٨١٦٨
٢٠١٢/٢٠١٣١٣٩٠٢٦٢١٦٨٦٨٥٩
٢٠١٣/٢٠١٤١٤٥٥٤٧٢١٦٠٩٨٧٩
٢٠١٤/٢٠١٥١٥٣٥٠٦٤١٦٤٥٧٥٠
٢٠١٥/٢٠١٦١٥٧٦٣٣٦١٧١٠٦٨٦
٢٠١٦/٢٠١٧١٦٤١٢١٨١٧٩٣١٠٨
٢٠١٧/٢٠١٨١٧٠٨٨٤٧١٨٦٤٨٤٢
٢٠١٨/٢٠١٩١٧٥٣٩١٢١٩٢٤٢٥٨
٢٠١٩/٢٠٢٠١٨١٩٤٩٧٢٠٥٣٥٠٥
٢٠٢٠/٢٠٢١١٩١٥٧٨٥٢١٣٢٥٩٧
٢٠٢١/٢٠٢٢٢٠٠٨٦٦٤٢١٩٠٧٢١
٢٠٢٢/٢٠٢٣٢١٢٤٤٥٠٢٢٥٠٢٨١
٢٠٢٣/٢٠٢٤٢٢٣٩١٤٧٢١٩٩٣٨٣
٢٠٢٤/٢٠٢٥٢٤٣٥٨٠١٢٠٩٥٤٧٥
البنات والبنون

الفتيات أولاً إلى الثانوي العام

ترصد البيانات ارتفاعاً عاماً في معدلات الانتقال من المرحلة الإعدادية إلى الثانوي العام لكلا الجنسين، غير أن الفجوة بينهما آخذة في الاتساع بشكل جلي. فوفقاً لنشرة ٢٠١٣/٢٠١٤، استقر المعدل عند ٣٩٫٨٪ للبنات مقابل ٣٤٫٠٪ للبنين، ليقفز في نشرة ٢٠٢٤/٢٠٢٥ إلى ٥١٫٦٪ للبنات مقابل ٤١٫٦٪ للبنين.[١]

غير أن المشهد ينقلب رأساً على عقب في أروقة التعليم الصناعي؛ إذ اجتذب هذا المسار في العام الأخير ٢١٫٨٪ من البنين، مقارنة بـ ١٢٫٤٪ فقط من البنات. هكذا، تبدو المعادلة واضحة: الطريق إلى الجامعة عبر بوابة الثانوي العام بات أكثر اكتظاظاً بالفتيات، بينما ظل الطريق إلى المصانع عبر المدارس الصناعية ساحة يغلب عليها البنون.[١]

الفجوة تتسع لصالح البنات

نسبة المنتقلين من الإعدادية إلى الثانوي العام، كما وردت في نشرة كل عام.

البناتالبنون

تنقّل على الأعوام لقراءة النسب.

المصدر: جدول معدل الانتقال من المرحلة الإعدادية إلى مرحلة الثانوي وما في مستواه، نشرات ٢٠١٤ و٢٠١٦ إلى ٢٠٢٥. نشرة ٢٠١٥ لا تتضمن الجدول.
الأرقام في جدول
النشرةبنات إلى العامبنون إلى العامبنات إلى الصناعيبنون إلى الصناعي
٢٠١٣/٢٠١٤٣٩٫٨٪٣٤٫٠٪١٤٫٣٪٢٤٫٥٪
٢٠١٥/٢٠١٦٤٢٫٣٪٣٥٫٨٪١٥٫٣٪٢٦٫٣٪
٢٠١٦/٢٠١٧٤٢٫٠٪٣٤٫٨٪١٥٫٤٪٢٥٫٥٪
٢٠١٧/٢٠١٨٤٢٫٥٪٣٤٫١٪١٥٫٥٪٢٥٫٨٪
٢٠١٨/٢٠١٩٤٤٫٢٪٣٤٫٧٪١٤٫٩٪٢٤٫٦٪
٢٠١٩/٢٠٢٠٤٤٫١٪٣٤٫٢٪١٥٫٣٪٢٥٫٠٪
٢٠٢٠/٢٠٢١٤٧٫٨٪٣٧٫٩٪١٥٫٩٪٢٨٫٧٪
٢٠٢١/٢٠٢٢٤٥٫٠٪٣٤٫٢٪١٣٫٧٪٢٤٫٢٪
٢٠٢٢/٢٠٢٣٤٣٫٠٪٣٢٫٦٪١٢٫٧٪٢١٫٩٪
٢٠٢٣/٢٠٢٤٤٨٫٦٪٣٩٫٣٪١٢٫٦٪٢١٫٥٪
٢٠٢٤/٢٠٢٥٥١٫٦٪٤١٫٦٪١٢٫٤٪٢١٫٨٪
التعليم الفني

فصول مكتظة ومعلمون أقل

على الرغم من الانكماش النسبي في أعداد طلاب المدارس الفنية مؤخراً، إلا أن وتيرة تراجع أعداد المعلمين كانت أشد وطأة وأكثر تسارعاً. فقد هبطت أعداد معلمي المدارس الثانوية الصناعية من ذروتها البالغة ٩٦ ألف مدرس، لتسجل ٧٠ ألفاً فقط في العام ٢٠٢٤/٢٠٢٥.[١]

وقد أسفر هذا النزيف عن تبدد الميزة النسبية للفصل الفني الذي كان يتسم بعدد أقل من الطلاب لكل مدرس؛ ليقترب تدريجياً من معدلات التكدس المعهودة في المسارات الأخرى. وخلال الفترة من ٢٠١٤/٢٠١٥ إلى ٢٠٢٣/٢٠٢٤، قفز نصيب المدرس من الطلاب في الثانوي الصناعي من ٨٫٤ إلى ١٣٫٣ طالبًا، وفي الثانوي التجاري من ١٧٫٠ إلى ٢٩٫١، بينما صعد في الثانوي الزراعي من ١٢٫٣ إلى ٢٧٫٠ طالبًا لكل معلم.[١]

طلاب أكثر لكل مدرس في كل المسارات

الدائرة المفرغة لعام ٢٠١٤/٢٠١٥ والممتلئة لعام ٢٠٢٣/٢٠٢٤. نستبعد ٢٠٢٤/٢٠٢٥ لأن أرقام المدرسين فيه تغيرت بطريقة لا تشرحها النشرة.

اختر مسارًا لقراءة أرقامه.

المصدر: جداول المراحل وفقًا للمحافظة والنوع في نشرتي التعليم قبل الجامعي ٢٠١٥ و٢٠٢٤. النسب حساب من سيا لإجمالي الطلاب على إجمالي المدرسين.
الأرقام في جدول
المسار٢٠١٤/٢٠١٥٢٠٢٣/٢٠٢٤
الثانوي العام١٤٫٥٢٤٫٥
الثانوي الصناعي٨٫٤١٣٫٣
الثانوي التجاري١٧٫٠٢٩٫١
الثانوي الزراعي١٢٫٣٢٧٫٠
الأزهر

عودة الأزهر

شهدت المعاهد الأزهرية نزيفاً متصلاً في أعداد تلاميذها حتى العام الدراسي ٢٠١٨/٢٠١٩، حيث استقرت عند ١٫٧٥ مليون تلميذ. غير أن المؤشر سرعان ما عكس اتجاهه بحدة؛ ليقفز في ٢٠٢٤/٢٠٢٥ إلى ٣٫١٠ مليون تلميذ، محققاً زيادة دراماتيكية قدرها ٧٧٪ خلال ست سنوات فقط. وبذلك، وسع الأزهر حصته من إجمالي تلاميذ المدارس والمعاهد من ٧٫٢٪ إلى ١٠٫٧٪.[١]

وتتركز القوة الدافعة لهذه الطفرة في المراحل التعليمية المبكرة؛ إذ تضخمت قاعدة تلاميذ الابتدائي الأزهري من ٩٠٦ ألف إلى ١٫٧٤ مليون تلميذ، فيما سجلت مرحلة رياض الأطفال قفزة هائلة من ٦٠ ألف طفل في ٢٠٠٩/٢٠١٠ إلى ٢١٧ ألف طفل. ولم يقتصر التحول على الكم، بل امتد للنمط؛ حيث انكمشت حصة المعاهد الخاصة من أطفال هذه المرحلة من ٢٥٫٩٪ في ٢٠١٣/٢٠١٤، لتتراجع إلى ٧٫٧٪ فقط في ٢٠٢٤/٢٠٢٥.[١]

ووسط هذا المد الطلابي، كان قوام هيئة التدريس يتقلص؛ إذ انخفض عدد معلمي الأزهر من ذروة مسجلة بـ ١٧٤ ألف معلم في ٢٠١٤/٢٠١٥ إلى ١٢٤ ألفاً في ٢٠٢٤/٢٠٢٥، بتراجع يناهز ٢٩٪. وكنتيجة حتمية، قفز نصيب المعلم الأزهري من التلاميذ من ١٠٫٤ في ٢٠١٨/٢٠١٩ إلى ٢٤٫٩ تلميذًا. ولا تقدم النشرات الإحصائية تفسيراً مباشراً لهذا الإقبال المفاجئ على التعليم الأزهري، ولم نعثر على مصدر موثوق يمكن الاستناد إليه لفك شفرة هذه الظاهرة.[١]

من أين جاءت زيادة الأزهر

الدائرة المفرغة لعام ٢٠١٨/٢٠١٩، وهو أدنى نقطة في السلسلة، والممتلئة لعام ٢٠٢٤/٢٠٢٥.

اختر مرحلة لقراءة التلاميذ والمعلمين فيها.

المصدر: الجدولان ٣ و٤ في نشرات التعليم قبل الجامعي. التلاميذ والمدرسون في المعاهد الأزهرية بمراحلها. نشرة ٢٠١٦ ذكرت رقمًا للثانوي الأزهري في ٢٠١٥/٢٠١٦ صححته النشرات التالية، واعتمدنا الرقم المصحح.
الأرقام في جدول
المرحلةتلاميذ ٢٠١٨/٢٠١٩تلاميذ ٢٠٢٤/٢٠٢٥معلمون ٢٠١٨/٢٠١٩معلمون ٢٠٢٤/٢٠٢٥
ما قبل الابتدائي٩٠٣١٤٢١٦٧٥٤٢٩٨٢٣٧٦٦
الابتدائي٩٠٦٢٤٠١٧٤١٩٥٦٧٥٩٣٤٦٠٠٨٦
الإعدادي٣٨٥٣٥٩٦٢٣٠٨٩٤٥٢٦٤٣٣٣٨٠
الثانوي٣٥٤٩٣٨٤٨٨٩٣٦٤٢٧٢٦٢٦٥٨٠
القراءات١٠٢٩٩٣٠٠٤٣١٢١٧٦٣٨
التعليم الخاص

لغز إعادة التصنيف في الثانوي الخاص

نجحت المدارس الخاصة في توسيع رقعتها داخل مسار الثانوي العام، لترتفع حصتها من ١٢٫١٪ في ٢٠١٣/٢٠١٤ إلى ٢٠٫٩٪ في ٢٠٢٣/٢٠٢٤، مستقطبة طالباً من بين كل خمسة تقريباً، في حين حافظ التعليم الخاص في المرحلة الابتدائية على نسبة استقرار تقارب ٩٫٣٪.[١]

غير أن نشرة عام ٢٠٢٥ حملت هبوطاً مفاجئاً لحصة التعليم الخاص في الثانوي العام لتبلغ ١٠٫٨٪، وهو تغير يعكس تعديلاً في التصنيف الإحصائي لا انكماشاً في الواقع. ويفسر الجدول المرفق بالنشرة هذا اللغز؛ إذ تراجع عدد المدارس الثانوية العامة الخاصة من ٢٠٩٧ إلى ١٤٢٤ مدرسة، في مقابل قفزة للمدارس الحكومية من ٢٦٦٠ إلى ٣٥٤٥ مدرسة، وذلك خلال عام واحد فقط. يشير هذا بوضوح إلى انتقال جماعي لمدارس من تصنيف لآخر، دون أن تفصح النشرة عن هوية هذه المدارس أو مبررات نقلها، مما يمنعنا من قراءة هذا الهبوط بوصفه تراجعاً حقيقياً في الإقبال على التعليم الخاص.[١]

لم تعد الطرق الثلاثة الممتدة بعد المرحلة الإعدادية تشبه ملامحها قبل عقد من الزمان. فقد بات الثانوي العام المسار الأضخم والأكثر جذباً للفتيات، بينما يئن التعليم الفني تحت وطأة فقدان معلميه، في حين يشهد الأزهر عودة طلابية تصطدم بشح متزايد في كوادره التدريسية. إن ما يتبلور على هذه الطرق اليوم، هو ذاته ما سيرسم الخريطة الديموغرافية للجامعات بعد سنوات قليلة.

في الجزء الثالث، سنقتفي أثر من عبروا هذه المسارات: إلى أي المدرجات الجامعية انتهى بهم المطاف؟ من يتولى تدريسهم؟ وما هي العلوم التي يتلقونها؟

كيف نعرف

المصادر

  1. الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، النشرة السنوية للتعليم قبل الجامعي، أعداد ٢٠١٤ إلى ٢٠٢٥ (ملفات إكسل). الجداول ١ إلى ٤ للسلاسل الخمسية، وجداول المراحل وفقًا للمحافظة، وجداول التسرب والانتقال والاستيعاب. الرابط

كيف حسبنا

أعداد الطلاب في الثانوي العام والفني من الجداول الخمسية في النشرات الاثنتي عشرة، وقد تطابقت في كل السنوات المتداخلة. التعليم الفني هنا مجموع الصناعي والتجاري والزراعي، ومنذ ٢٠١٨/٢٠١٩ الفندقي الذي صار يُعرض منفصلًا. معدلات الانتقال منقولة كما نشرها الجهاز، وكل نشرة تقيس الانتقال بين العامين السابقين لها. نسب الطلاب إلى المدرسين حساب من سيا.

حصة الأزهر من التلاميذ حساب من سيا لتلاميذ المعاهد الأزهرية على مجموع تلاميذ الأزهر ومدارس وزارة التربية والتعليم. حصة الخاص من جداول المراحل وفقًا للتبعية (حكومي وخاص).

ما لا تقوله الأرقام

لا تتابع النشرات التلميذ من الإعدادية إلى المرحلة التالية، فمعدل الانتقال مقارنة بين أعداد في عامين، لا تتبع لأفراد. ولا تذكر سبب انتقال مدارس بين الحكومي والخاص في ٢٠٢٥، ولا سبب الإقبال على الأزهر.

البيانات