ملف الأفروسينتريك

من يملك "كيميت"؟

ما هي حركة "الأفروسينتريك"؟ ومتى بدأت؟ وماذا تقول عن الحضارة المصرية القديمة؟ نتتبع الفكرة من أمريكا من بدايات القرن العشرين إلى مختبرات الحمض النووي، ونرسم خريطة المدارس التي تتبنى أفكارها وتقوم بتدريسها لطلابها حتى يومنا هذا

الجزء الأول · ١ · الزيارة

جماعة "كينيت" في المتحف المصري

في يونيو ٢٠٢٤، زارت مجموعة من المواطنين الأمريكيين السود المتحف المصري بميدان التحرير. وهذه المجموعة تسمي نفسها "كينيت" (بالنون، وسوف نعود إلى هذه النقطة لاحقا). قاد هذه المجموعة "كابا كاميني"، وهو باحث وناشط بارز في أوساط الدراسات الإفريقية بالولايات المتحدة. فمن هو كاميني؟ وما الهدف من الزيارة؟ ولماذا أثارت هذه الزيارة ردود فعل واسعة وغضبا كبيرا في الأوساط الأثرية والإعلامية بمصر؟

"كابا كاميني" هو مؤرخ وأستاذ في جامعة ولاية نيويورك. كرس مسيرته المهنية لأكثر من أربعة عقود في التعليم والبحث لربط التاريخ الإفريقي القديم بالهوية الإفريقية المعاصرة، مع التركيز على إبراز الحضارة المصرية القديمة على أنها جزء لا يتجزأ من الإرث والثقافة الإفريقية. وكاميني من أبرز أقطاب حركة "الأفروسنتريك"، أو "المركزية الإفريقية"، وهي تيار فكري وثقافي يسعى لإعادة قراءة التاريخ العالمي من منظور إفريقي، والتركيز على إنجازات شعوب إفريقيا وسلالاتها باعتبارها مهد الحضارات الإنسانية بما فيها الحضارة المصرية القديمة.

أما الزيارة فقد كانت جزءا من جولة دراسية هدفها البحث في الجذور التاريخية والثقافية للقارة الإفريقية وفقا للمنظور الفكري للحركة، والذي يرى أن الحضارة المصرية القديمة هي في أصلها حضارة سوداء عرقيا وثقافيا. وخلال الجولة داخل قاعات المتحف، قدم كاميني شروحات لأعضاء الفوج اعتبر فيها التماثيل والقطع المعروضة دليلا حيا على أفكارهم، ونشر صورا توثق ذلك تحت عنوان تعليم المجموعة "تاريخها الحقيقي".

أثارت الزيارة ردود فعل واسعة وغضبا كبيرا في الأوساط الأثرية والإعلامية بمصر، حيث اعتبر المتخصصون والمؤرخون المصريون هذه الشروحات محاولة لتزييف الحقائق التاريخية والجينية الثابتة التي تؤكد امتداد الشعب المصري المعاصر من أجداده الفراعنة.

الجزء الأول · ٢ · أصل الموضوع

من شيكاغو إلى ميدان التحرير

لم تبدأ القصة في القاهرة. بدأت في أمريكا، في لحظة كان فيها تاريخ السود نفسه موضع إنكار.

السؤال: كيف تحوّلت فكرة وُلدت لمواجهة العنصرية في أمريكا إلى جدل حول هوية مصر؟ اضغط على كل محطة لقراءة ما حدث فيها.

"ولادة أمة" وجمعية "وودسون"

بدأ الموضوع في الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩١٥، في قلب الحقبة التي أطلق عليها المؤرخون "حضيض العلاقات العرقية". في مطلع هذا العام، عرضت السينمات الأمريكية فيلم "ولادة أمة"، وهو فيلم صامت قدم المواطنين السود همجا وأغبياء، بينما أظهر جماعات "كلو كلاكس كلان" العنصرية أبطالا، وعُرض الفيلم داخل البيت الأبيض. وسط هذا المشهد، وفي نفس العام، أسس المؤرخ "كارتر وودسون" "جمعية دراسة حياة وتاريخ الزنوج" في شيكاجو، لتوثيق ما يرى أنه إسهامات الأفارقة في الحضارة البشرية. وكانت هذه الجمعية بذرة حركة "الأفروسينتريك".

أطروحة ديوب في السوربون

شهدت باريس نقطة تحول عندما قدم العالم السنجالي الشيخ "أنتا ديوب" أطروحته في جامعة السوربون، والتي زعم فيها أن الحضارة المصرية القديمة أصلها إفريقي أسود. ورفضت الجامعة تشكيل لجنة لمناقشتها، لأن مزاعمها وأدلتها تفتقر للمنهجية العلمية الصارمة، وتستند إلى تشابهات ظاهرية ومصادفات وتأويلات لنصوص قديمة وأوصاف انطباعية للرحالة بدلا من الفحوصات المخبرية، وأخذت عليه "الاختزال العرقي" الذي ناقض الأدلة على تنوع وتمازج سكان وادي النيل.

"أمم زنجية وثقافة"

على الرغم من رفض الأطروحة، نشرها "ديوب" في كتاب تاريخي شهير بعنوان "أمم زنجية وثقافة".

الدكتوراه

عاد "ديوب" إلى السوربون ومعه ما يرى أنها أدلة إضافية في الفيزياء والكيمياء النووية وتاريخ الأديان، فقبلت الجامعة مناقشة أطروحته المعدلة ومنحته درجة الدكتوراه.

مؤتمر القاهرة

نوقشت الأطروحة في مؤتمر برعاية اليونسكو في القاهرة، وانتهى التقرير إلى أن الأدلة لم تكن كافية أو مقنعة لإثبات النظرية.

الزيارة

كاميني ومجموعته في قاعات المتحف المصري بميدان التحرير، وموجة غضب في مصر.

أول جينوم مصري قديم كامل

دراسة في مجلة Nature تقرأ جينوم رجل من الدولة القديمة لأول مرة.

الجزء الأول · ٣ · القاهرة ١٩٧٤

ستة أدلة، وحكم واحد

أحدث الأطروحة ضجة في الأوساط الأكاديمية، وجرى نقاشها ومواجهتها بالأدلة العلمية من قِبل ١٨ من كبار علماء الآثار والمصريات حول العالم في مؤتمر قمة القاهرة للآثار برعاية اليونسكو عام ١٩٧٤. وفي المؤتمر، قدم "ديوب" وفريقه مجموعة من الأدلة يقول إنها تثبت صحة نظريته.

السؤال: ما الذي عرضه ديوب على الطاولة؟ افتح كل بطاقة.

الميلانين

نسبة الميلانين في جلد المومياوات المصرية المستقرة في باريس تتطابق مع جلود الشعوب الإفريقية المعاصرة جنوب الصحراء، وليست لشعوب بيضاء أو متوسطية تعرضت للاسمرار بفعل الشمس.

العظام

نسب أطوال الأطراف والجماجم المصرية المبكرة تقع تشريحيا ضمن النطاق الإفريقي الأسود.

اللغة

هناك تشابه عميق وجذري بين اللغة المصرية القديمة واللغات الإفريقية الحية مثل لغة "الولوف" (في السنجال) في التراكيب النحوية والصرفية والدلالات اللفظية، مما يعكس برأيهما أصلا لغويا مشتركا لا صلة له باللغات السامية أو الحامية.

خط الأم

المجتمع المصري القديم كان يمنح المرأة والملك عبر خط الأم مكانة مركزية تشريعية ودينية. هذا النظام الأمومي سمة أصيلة في المجتمعات الإفريقية التقليدية، على العكس من الأنظمة الأبوية التي ميزت الحضارات الهندوأوروبية والسامية القديمة.

الطقوس

ختان الذكور وحمل جلود الحيوانات من قِبل الكهنة امتداد ثقافي مباشر لوسط القارة الإفريقية.

الرحالة

المؤرخون اليونانيون والرومان الذين عاينوا المصريين القدماء مباشرة، مثل "هيرودوت" و"سترابو" و"ديودور الصقلي"، وصفوا المصريين في كتاباتهم بأنهم أصحاب بشرة داكنة وشعر مجعد.

الحكم

ولم يكن هناك إجماع كامل على كل فرضيات ديوب؛ فقد عارض العديد من العلماء فكرة أن مصر كانت "نقية عرقيا" وأنها كانت مزيجا بشريا متطورا. وانتهى تقرير اليونسكو إلى أن "ديوب" حضر للمناظرة بأعلى درجة من الجدية والوثائق، لكن الوثائق والأدلة التي قدمها لم تكن كافية أو مقنعة لإثبات نظريته أمام علماء العالم.

الجزء الأول · ٤ · "كيميت"

علامة واحدة، قراءتان

لم يكن اسم "كينيت" الذي استخدمه "كاميني" للإشارة إلى مجموعته خطأ إملائيا لكلمة "كيميت". والتفسير الشائع والمعتمد بين علماء المصريات أن كلمة "كيميت" تعني "الأرض السوداء"، وهو الاسم الذي أطلقه المصريون القدماء على بلادهم. تعود التسمية إلى لون الطمي الأسود الخصب الذي كان يرسّبه فيض النيل كل عام على ضفتيه ودلتاه، وهو ما جعل الزراعة ممكنة وقامت عليه الحضارة المصرية. وفي المقابل كانوا يسمّون الصحراء المحيطة بوادي النيل "دِيشرِيت"، أي "الأرض الحمراء". فالاسمان معا يعبّران عن التقابل بين الأرض المزروعة الحية والصحراء القاحلة، وهو تقابل حاضر بقوة في الفكر المصري القديم.

السؤال: "الأرض السوداء" أم "أرض السود"؟ بدّل بين القراءتين لترى ما الذي تصفه كل منهما.

دِشرِت دِشرِت كيميت النيل

القراءة الشائعة بين علماء المصريات: "كيميت" هي الأرض التي يغطيها الطمي الأسود بعد الفيضان، في مقابل "دِشرِت"، الصحراء الحمراء. اللون هنا لون التربة.

وبالنسبة لـ "أفروسينتريك"، فإن مصطلح "كيميت" يعني "أرض السود" أو "بلاد البشر السود"، وحجتهم في ذلك أن الكلمة مكتوبة في الهيروجليفية بجذر يعتمد على رمز قطعة الجلد السوداء أو المتفحمة. وحسب هذا التفسير، فهم يعتقدون أن الاسم اعتراف صريح ومباشر من المصريين القدماء بأنهم كانوا أفارقة ذوي بشرة سمراء داكنة، ثم تفككت جيناتهم الإفريقية وتعرضوا لـ "التبييض" عبر الزمن بسبب الغزوات.

وهناك داخل أوساط حركة المركزية الإفريقية نقاشات لغوية مستمرة حول النطق الأدق للغة المصرية القديمة. فيرى بعض باحثي الحركة، ومنهم "كاميني" ومجموعته، أن النطق التاريخي الأقرب للجذور الإفريقية لكلمة "كيميت" يحتوي على دمج صوتي يميل إلى النون بدلا من الميم في بعض اللهجات الإفريقية القديمة. ويعتقد أن "كينيت" تنويعة صوتية محلية لكلمة "كيميت" تربطها لغويا ببعض الكلمات في لغات وسط وغرب إفريقيا. وهذا النطق مرفوض ومنتقد حتى داخل بعض مدارس الأفروسينتريك التقليدية نفسها، والتي ترى في استخدام "كينيت" بدلا من "كيميت" تحريفا، لا دليل عليه، للمصطلح التاريخي الأصلي والمثبت أثريا على الجدران بصوت الميم الصريحة.

ك م ت: هكذا تُكتب الكلمة على الجدران بعلامة "كم" ثم التاء. الحروف الصامتة محفوظة، أما حروف العلة فلا تكتبها الهيروجليفية، و"كيميت" نطق اصطلاحي.

وبالنسبة لعلماء الآثار والمصريات، فإن استخدام لفظ "كينيت" هو دليل إضافي على عدم دقة المنهجية اللغوية والعلمية لهذه المجموعات؛ فالنصوص الهيروجليفية القاطعة في التراث الإنساني تُكتب برمز قطعة الجلد المحروقة (كم) تليها التاء (ت) لتُلفظ "كيميت" دون وجود أي جذر لغوي أو أثري يقلب الميم نونا ليجعلها "كينيت".

المصادر والمنهج

الخطوط المستخدمة من خطوط النظام، وقد يختلف شكلها قليلا بين أنظمة التشغيل.